Search
  • Saleh Amin

مبتدأ الفقر وخبره !


بعض المقارنات مجحفة إذا أستثني منها ظروفها الذاتية والموضوعية لأنه لا يمكن عزل الناس عن سياقاتهم الزمانية والمكانية وكما يقولون الحجر في مكانه قنطار .


الفقر ليس واحداً والفقراء كالأغنياء هم أبناء ظروفهم وليسوا نسخة مكررة، لذلك يسهل على الشخص في أمريكا الإدعاء بأنه بنى نفسه بنفسه فالظروف الموضوعية المتوفرة في دولة مثل أمريكا غير متاحة في أغلب دول العالم ، في الوقت ذاته لا يمكن لتلك الظروف أن تعمل بمعزل عن شروطها الذاتية لذلك نرى أن ثلث الفقراء بالعالم يعيشون في بلدانه الغنية على الرغم من تمتعهم بفرص أكبر لتحقيق الثراء !

الفروق بين الأغنياء والفقراء ليست اقتصادية فقط فهنالك فروق ثقافية، أبناء الأغنياء مهيئون للنجاح في الحياة العملية بعد الحصول على التعليم في أفضل الجامعات ويتمتعون بظروف مواتية في بيوتهم كما أن أمهاتهم مثقفات ويبذلن جهداً في خدمة أبنائهم وتربيتهم وتوجيه سلوكهم فالبيئة لا تصنع فقط الشخصية بل تصنع معها اتجاهاتها .


لاحظ المراقبون أن حالة عدم المساواة في أميركا أكثر شدة وبروزاً منها في بعض الدول الأوروبية كالدنمارك والنرويج والسويد وألمانيا ، وتبين أن السبب يعود إلى توفير الحد الأدنى من المتطلبات في الدول الأوروبية ، مثل توفر الدراسة الجامعية بكلفة قليلة ، ووجود تأمين صحي شامل ، وفرض ضرائب عالية على الأثرياء. أي أن هناك محاولة لتقريب الظروف وتأمين فرص متكافئة.


في العام 2019 رأينا تحول معرفي وسياسي في التعاطي مع ظاهرة الفقر حيث مُنحت جائزة نوبل للاقتصاد لثلاثة باحثين في مجال مكافحة الفقر والذي لم يكن قبل ذلك في دائرة إهتمامات الاقتصاديين الكلاسيكيين، إذ أن منح جائزة نوبل للاقتصاد لأبحاث مكافحة الفقر تقودنا إلى اسنتاج سريع وهو أن الكثير من البرامج المعتمدة لمكافحة الفقر ليست بالكفاءة المطلوبة وليست هي البرامج الصحيحة وهو تحول في منظور مكافحة الفقر .


الحقيقة أنه لا توجد قاعدة ذهبية لمساعدة الفقراء وهي النتيجة التي خرج بها الاقتصادي الأمريكي ذو الأصول الهندية ( أبهيجيت بانيرجي ) أحد الحاصلين على جائزة نوبل للاقتصاد العام 2019 في كتابه (اقتصاد الفقر) بعد أن قام بدراسة 240 حالة في 40 دولة على مدار 7 سنوات، يوصي بانيرجي الحكومات في البحث عن حلول مبتكرة لتعظيم الفوائد من المعونات والتي تبلغ مليارات الدولارات لأن المعونات كما يراها تُقدم لأهداف سياسية من الحكومات لزيادة شعبيتها .


الحقيقة المحزنة أنه حتى لو تم تعديل آليات تقديم المعونة كما يوصي بانيرجي فإنها لن تخفف من عدد الفقراء وإن كان من الواجب أن تخصص فقط لمن يعود فقرهم لأسباب وظروف خارجة إرادتهم، فالفقر ليس ظاهرة اقتصادية يمكن علاجها بالمعونات والمخصصات المالية أو برش المال على الفقراء لأنه يساعدهم على التعايش معه ، أما الحكومات فغالبيتها اليوم تمنح إعفاءات ضريبية ودعم على أسعار الضروريات لأصحاب الدخول المتدنية وتقدم خدمات التعليم والصحة مجاناً مما يشكل دخلاً غير مباشر للعائلات الفقيرة !


يبدو أنه إلى الآن لم يتم التعامل مع ظاهرة الفقر كظاهرة ثقافية فتحرير مفهوم الفقر من العلاقة السببية ليس تعسفاً معرفياً فكما أن الفقر منتج لشروط الإنتاج فهو أيضاً مرتبط بخصائص الفقراء ، فغالبية فقراء العالم راضين عن وضعهم ويعتبرونه قدر لا يُرد وينتهحون سلوكيات تزيد من عمق فقرهم مثل رفض قيامهم ببعض الأعمال والتكاثر المبالغ فيه وإذا كانت البطالة من أهم أسباب الفقر فلماذا يجد العمال الأجانب عملاً ويحققون دخلاً في دول كثيرة مع أن الأولوية لمواطني تلك الدول !


يقول علماء الإجتماع أن الوسيلة الفعالة لرفع مستوى الفقراء هو بإتاحة الفرص أمامهم من خلال التوعية والتعليم والتدريب فالمتعلم والمدّرب والمهني لن يظل فقيراً، فخط الفقر ليس فاصلاً حديدياً بل قابل للإختراق ممن يحصلون على قدر جيد من التعليم الأكاديمي أو التدريب المهني وهي منطقة انفتاح كذلك على أعضاء الطبقة الوسطى الدنيا المعرضون للهبوط دونه في ظل البطالة وفشل نظام التعليم والتدريب .


تظهر ورقة منشورة قبل عدة سنوات من اليونسكو أن التعليم أمر بالغ الأهمية للهروب من الفقر ومنع انتقاله بين الاجيال، تنص الورقة أن ارتفاع معدل التحصيل العلمي سنة واحدة، يرفع نمو حصة الفرد من الناتج المحلي السنوي من 2% إلى 2.5% وهذا ما يؤكد أن الدول لا تحتاج لوصفات اقتصادية سحرية لتحسن دخلها القومي، فالمفتاح ونقطة الانطلاق هي التعليم، وبدلًا من المناكفات على موازنة الوزارات الاستهلاكية لا بد من تخصيص ما يعادل 1.8% من إجمالي الناتج المحلي لمشاريع تحسين التعليم، الخطة التي قد تساهم في نمو دخل الفرد بمعدل نقطة مئوية في السنة.


السلم الاجتماعي في الوطن العربي ليس مغلقاً تماماً ، فهناك فقراء صعدوا درجات السلم وانضموا إلى زمرة الأغنياء واعتبروا عصاميين. ولكن هذه حالات استثنائية لا يقاس عليها ، ويبدو أن الحاجز بين الأغنياء والفقراء يزداد صلابة ، وأن اختراقه يزداد صعوبة فلا زالت مجتمعاتنا تخجل من فقرها وتتستر عليه وكأنه عورة لهذا فكفاحها من أجل التغيير يبقى مؤجلاً ويتحول إلى مديونيات لأحفادها وقد يضيف التاريخ على تلك المديونيات نسبة من الربا السياسي !