Search
  • Saleh Amin

ثروة إيلون ماسك


أفصحت مجلة فوربس مؤخراً أن نسبة ما يمتلكه أغنى رجل بالعالم من نقد وعقارات لا تزيد نسبتها عن 1% من مجمل ثروته المقدرة بقيمة 277 مليار دولار والباقي وفقاً للمجلة عبارة عن قيمة حصته من أسهم يمتلكها في الــشركات التي قام بتأسيسها أو شركات أخرى، فهل يمكن اعتبار ما يمتلكه إيلون ماســــك ثروة حقيقية ؟


سؤال حساس أطلقه البعض وشاع تداوله .


هذا السؤال يكتسب شعبية لأن إجابته تفسر مفهومنا للثروة، البورصة في الوطن العربي لا زالت شأن نخبوي ولا تزيد نسبة قيمتها الإجمالية عن 29.3% من الناتج المحلي الإجمالي ولا يزيد عدد المستثمرين الفاعلين فيها عن 5% من حجم السكان ولا زالت ثانوية في استثمارات أموال التأمينات والمعاشات وحتى الأفراد وهذه الأرقام لا تشكل سوى الثلث من أرقامها في الأسواق العالمية المتطورة .


أهمية فكرة البورصة في الحضارة الغربية ناتجة من كونها المنشأة لرأسماليتها ولمفومها وتطبيقها للثروة، الغالبية من شركات رواد الأعمال والمبدعين شركات مساهمة مدرجة بالبورصة وتلك الثروات مرتبطة بحركة أسعار الأسهم، فالأسهم تعبر عن أداء الشركات وعن توقعات الناس لأدائها وتفصح عن رأي الناس في سياسات حكوماتهم ولتوقعاتهم وردود فعلهم على كل ما يجري من أحداث حولهم سواء داخل بلدانهم أو خارجها .


البورصة تخلق ثروة وإن كانت غالبيتها دفترية، فهذه القيمة الدفترية هي الثروة في العصر الحديث، ثروة لا تكمن في الأصل على خلاف الذهب والفضة، ثروة تنشؤها المنظومة المالية الحديثة من بورصة وقوانين وتحتمي بثقة الناس في نظامهم المالي وفي عملاته النقدية المطبوعة التي تستخدم كوسيلة لشراء أسهمهم ولولا تلك الثقة لإنهارت المنظومة وإنهار معها قيمة ما يمتلكونه من ثروات ورقية أو دفترية .



منظومة الدول المتقدمة المالية غريبة عن منظومتنا المالية وهذا أحد الأسباب في تميزها، منظومة تحتاج لعدد كبير من المؤسسات، يتحكم بها قوانين ولوائح كثيرة، منظومة معتمدة على حرية المنافسة والتسعير والإختيارات الإستثمارية، المفترض في تلك المنظومة هو توفير الشفافية ومعاقبة المخالفين وأن توظف الآليات الديمقراطية التي تتيح للمنتخبين تغيير القوانين وتغيير حكوماتهم لأن التفاعل بين المؤسسات والقوانين ينتج عنه ثقة الناس بمنظومتهم المالية التي توفر لهم الحماية والإطمئنان بأن لا تقوم الحكومة أو أي أطراف أخرى بالتلاعب بها .


ما يميز تلك المنظومة أنها منظومة نقد مطبوع وقيمة هذا النقد ينتج مع مرور الوقت من أسعار الفائدة والتي تعتبر ضرورية لتقييم الأصول، البنوك ركن أساسي في تلك المنظومة فهي تسهل التعاملات وتخضع للبنك المركزي الذي يقوم بطباعة النقد، فالفائدة على النقود هي فكرة الاقتصاد الحديث وبدونها تنعدم القدرة على خلق الثروة للأفراد وللحكومات .


المنظومة مصممة لكي تنمو، والشخص أو الكيان الذي لا يحقق نمواً يعتبر فاشلاً، وبناء على ذلك يتم الحكم على أي سياسي بمدى قدرته على تحقيق النمو في ثروات المنظومة وعلى أي قانون من خلال مدى توفيره لحماية المنظومة وتسهيل نموها.


بفضل قدرة المنظومة على تسليع كل شيء وعلى تشجيع النمو واحتكامها للشفافية ولحكم القانون، إستطاعت خلق ثروات ضخمة في أمريكا وأوروبا، كل شيء في تلك المنظومة قابل للتسليع لأنه مطلوباً وضرورياً حتى ينفق الناس أكثر وبالتالي توفر فرص نمو أكبر للمنظومة .


المهم في تلك المنظومة أنها تمس حياة الجميع، فتمويل الشركة التي تدفع رواتب الناس ومؤسسات المعاشات التي تدفع معاشاتهم تأتي من المنظومة والمدخرات الفردية تعمل داخل المنظومة وحتى مستوى جودة التعليم سوف يحدده التنافس داخل تلك المنظومة والتي تحدد أيضاً ثرائهم من خلال قيمة أسهمهم وتزامناً مع ارتفاعها يخلق لديهم شعوراً أكبر بالثراء مما يزيد أنفاقهم ويزداد معه النمو في تلك المنظومة.


خلافاً للإتجاه السائد في العالم العربي، فإن السياسة في العالم تتبع الاقتصاد وتخدمه ونفوذ الدول يعتمد على اقتصادياتها وقوة منظومتها المالية، هذه المنظومة إسمها الرأسمالية وفي قلبها البورصات التي خلقت الثروة بشكل غير مسبوق تاريخياً !