Search
  • Saleh Amin

الضريبة و"تطفيش"الشركات !


هناك اعتراضات مستحقة لفرض ضريبة على الشركات في الإمارات، ولكن لغير الأسباب التي يذكرها البعض والتي تخالف الواقع، فحرية إبداء الرأي لا تعني إختلاق وقائع لتناسب الرأي المسبق الذي يحمله .


رجال الأعمال المتشائمون ليسوا بالضرورة أكثر حكمة من غيرهم، هم يحكمون على أنفسهم بالفشل ويستحقون ما يتوقعون، فكيف نتوقع النجاح ممن يعدنا بالفشل ! الأسلوب المتبع سهل ومباشر فهم يركزون على النتائج السلبية ومن ذلك أن زيادة الضرائب تؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على كاهل كل من الــشركات والأفراد، كل هذا صحيح، فليس هناك قرارات اقتصادية ليس لها آثار ســـلبية ووجود تلك الآثار لا يحـول دون اتخاذ قرار ضروري يوازن بين ضرر خطير وضرر محمول، فيتم قبـول الضـرر الأقل لإتقاء الضرر الأكبر .


يُحسب للحكومة أنها أقرت المبدأ في العام 2017 ثم توسعت بالتطبيق بعد التدرج، فالمشروع كان مطروحاً منذ عشر سنوات وتم تأجيله أكثر من مرة، من حسن حظ الحكومة أن توقيت القرار جاء بوقته المناسب فضريبة المستقبل من غير الممكن أن تنشأ إلا إذا ارتفعت أسعار الفائدة ومعدل التضخم وارتفع الائتمان المصرفي والأموال الدفترية، يضاف إلى ذلك أنها جاءت بالوقت الذي أقرت فيه 136 دولة من ضمنها الإمارات فرض ضريبة على الشركات متعددة الجنسيات .


قبل إقرار الضريبة الجديدة، بلغت نسبة العوائد السنوية من ضريبتي القيمة المضافة والإنتقائية نسبة 1.15% من الناتج المحلي الإجمالي وهي تعتبر أقل النسب بالعالم ومن المتوقع أن يصل معدل الضريبة مع تطبيق الضريبة على الشركات إلى 18% من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقابل هناك بلدان يصل فيها نسبة الضريبة إلى 46.6% من الناتج المحلي الإجمالي كالدنمارك أو 45.5% كما هو الحال في فرنسا أما الاقتصاد الأمريكي فمعدل الضريبة من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 26.4% .


الدول الفقيرة تفرض ضرائب لسد التزاماتها ونفقاتها المتكررة أما الدول الغنية كالإمارات فهي تفرض ضرائب لتمويل مشاريع اقتصادية واستكمال البنية التحتية التي تنعكس بشكل نمو اقتصادي، واليوم يتصرف الإمارات سلفاً بحيث يقلل الإعتماد على النفط والمنتجات الهيدروكربونية، فأكثر الدول تحملاً للضرائب ليست الدول الفقيرة بل الدول الغنية التي تفرض ضرائب لتحريك الاقتصاد وتحقيق نمو يكفي ليس فقط لتمويل النفقات بل يفيض إيرادات وأرباحاً اقتصادية واجتماعية .


الاقتصاد الإماراتي بنى مدخراته على الإنفاق الحكومي الذي إستمر طيلة 45 عاماً أما مسألة تأثير زيادة ضريبة الدخل على النمو الاقتصادي فهي مسألة يمكن مناقشتها في اقتصاديات الدول التي تطبقها والتي تقوم برفعها من نسبة إلى نسبة أكبر، أما في الإمارات فأنت تبدأ من الصفر !


لا يجوز أن يغيب عن البال أن الضريبة الجديدة التي من الطبيعي أن لا تقابل إيجابياً من رجال الأعمال، ليست أفكار عابرة، بل جزء من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يهدف تأمين حصيلة أكبر لخزينة الدولة وزيادة الإعتماد على الضريبة المباشرة التي يدفعها القادرون على الدفع، وتوفير الأدوات الاقتصادية التي تتيح تنويع الإيرادات لتمويل النفقات العامة، فالإنفاق العام يمكن أن يرفع معدل النمو إذا لم يكن ممولاً من قروض أو ضرائب إضافية لأنه في هذه الحالة يضخ بالأسواق بقدر ما يسحب منها .


تشير عدة دراسات اقتصادية أن هناك علاقة عكسية بين الضرائب والنمو على المدى الطويل، منها دراسة أعدها المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية التي خلصت إلى أن كل زيادة في الضريبة بنسبة 1% تُخفض الناتج المحلي الحقيقي بنحو 2 إلى 3% وانخفاض على تراكم أو نمو الإستثمار بنسبة 0.14% .


الواقع أن غالبية تلك الدراسات إعتمدت منهجية واحدة وهي أن التغيرات الضريبية هي العامل الوحيد المؤثر في النمو على الرغم من أن متغير الاقتصاد الكلي للنمو يتأثر بعدد من العوامل مثل الإنفاق الحكومي والسياسة النقدية مما يؤدي للمبالغة في تأثير الضرائب على النمو، بالإضافة إلى أن تأثير رفع أو تخفيض ضريبة الدخل تختلف نتائجه حسب الوضع الاقتصادي وليس له ذات التأثير بين الدول التي لديها معدلات ضريبة قيمة مضافة عالية وبين الدول التي تتمتع بمعدلات قليلة .


في الجانب الآخر، فالإبقاء على الوضع السابق قد يوفر إمكانية لزيادة النمو الاقتصادي من خلال تحسين الحوافز للعمل والإدخار والإستثمار، لكنه يخلق أيضاً تأثيرات على الدخل تقلل الحاجة للإنخراط في نشاط اقتصادي منتج ويؤدي بالغالب إلى عجز في الموازنة والعجز يؤدي إلى خفض المدخرات الوطنية والدخل القومي المستقبلي ورفع أسعار الفائدة مما سيؤثر سلباً على الإستثمار، ومع ذلك فإن النظرية والأدلة ودراسات المحاكاة تروي قصة مختلفة، حيث لم يكن للزيادة الضريبية التي أقرتها الولايات المتحدة في العام 1993 تأثيراً على النمو الاقتصادي بل أدى أيضأ لخفض العجز وبالتالي زيادة المدخرات الوطنية .


إحدى النتائج المهمة من التحليلات السابقة هي أنه لن يكون لجميع التغيرات الضريبية نفس التأثير على النمو، الضريبة الجديدة قدراً لا بد منه وقد يكون لها تأثيرات مبشرة أكثر على حجم الاقتصاد على المدى الطويل، ولكن في بعض الحالات قد يخلق تطبيقها مقايضات بين الإنصاف والكفاءة !