Search
  • Saleh Amin

التوترات في مالي


لدى الأفارقة حساسية خاصة تجاه التواجد والتدخلات الغربية في شؤونهم خاصة إذا جاء التدخل من طرف دولة كفرنسا لها صورة وتاريخ سلبي في أذهانهم ولكن الأمر لا يبدو كذلك عندما تتدخل روسيا .


التغير الواضح في اللعبة السياسية التي تمارسها السلطات السياسية أو العسكرية في الدول الإفريقية هو التداوي بما كانت هي الداء، فإن كان التدخل الأجنبي هو نكسة الأفارقة الذي لا بد لهم من التعايش معه فلما لا يكون هو الحل الذي يمكن من خلال مشاركة أطراف أخرى من فرض شروط في أي مقايضات أو تسويات سياسية طالما هو الخيار الوحيد المتوفر !


أغلب الدول الإفريقية تمد جسورها إلى روسيا وكذلك تفعل روسيا وهو الأمر الذي يثير حفيظة الفرنسيين وعلى ما يبدو أن هذا التدخل مرحب به حتى على المستوى الشعبي الذي ينظر للروس كطرف محايد على عكس التدخل والتواجد الفرنسي الذي فقد مع استمرار العنف وعدم الإستقرار أي شرعية لوجوده .


فرنسا دولة عظمة وانسحابها أو فشلها يزعزع صورتها وهيبتها الدولية ويؤثر على مصالحها الاقتصادية، بالمقابل استمرار الإنتشار الروسي وإن كان غير معترف به يعتبر نكسة استراتيجية للدول الغربية وهو توسع قابل للتمدد في ظل الغضب الشعبي ضد فرنسا التي لا زالت تدير الصراعات في إفريقيا وفقاً لمصالحها السياسية والاقتصادية لذلك قامت من خلال تأثيرها بفرض عقوبات اقتصادية على مالي من خلال مجموعة دول غرب إفريقيا (إيكواس) ولم تفرضه أو تسعى له على غينيا التي شهدت انقلاباً عسكرياً بالعام الماضي .


التوترات الأخيرة في مالي هي صورة عن الصراع الروسي الفرنسي الذي من الممكن أن ينتهي بانتزاع روسي لمالي من يد الفرنسيين وهو الأمر الذي من المتوقع أن يتأزم أكثر فيما لو قررت مجموعة الإيكواس خيار التدخل العسكري كما فعلته نيجيريا في سيراليون على أثر الإنقلاب العسكري بالعام 1997 .

كدول إفريقية عديدة تعاني مالي من هشاشة الدولة وتحتاج لمعجزة لإعادة تأسيسها فالإنقلابات وحكومات الأمر الواقع هو القاعدة طيلة الستة عقود الماضية لذلك تسعى الجزائر من خلال مبادراتها لإخراج مالي من مأزقها فهي العمق الإستراتيجي الجنوبي لها ولا يمكن للجزائرين غض النظر عن ذلك أو إغفاله ، بالمقابل غياب الإستقرار السياسي يخدم مصالح أطراف عديدة نظراً للثروات التي تتمتع بها مالي والتي تعد جنة ثروات القارة الإفريقية التي تخسر مع جاراتها أكثر من 38 مليار دولار سنوياً من فروقات التسعير التجاري للسلع فقط !


لدى مالي أكثر من ثمانية ثروات طبيعية ومعدنية تضعها كأهم الدول الإفريقية إنتاجاً ومخزوناً، فهي الثالثة إفريقياً في إنتاج الذهب باحتياطيات تشكل 40% من احتياط الذهب العالمي و95% من احتياطيات العالم من الألماس والبلاتين أما احتياطياتها من النحاس والحديد واليورانيوم فهي على التوالي 40% و15% و30% بالإضافة إلى احتياطياتها من النفط الذي حسب التقديرات يصل إلى 75 مليار برميل، أما الثروات الزراعية فهي تعد من أكثر الدول الإفريقية الغنية بالمحاصيل الزراعية فهي تنتج 40% من انتاج العالم من القطن والأرز والذرة والفول السوداني .


المسألة في مالي قد لا تتوقف توتراتها إلا إذا كانت تلك التوترات شرطاً لمقايضات سياسية !