Search
  • Saleh Amin

البوليكسيت


لم يمض عامان على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي حتى بدأ خلاف بولندي اوروبي يٌنذر بفتح جبهات أخرى مع دول الكتلة الشرقية ، فهل فعلاً بدأت أحجار الدومينو الأوروبية بالتساقط ؟


لم تكن قضية اللاجئين هي القضية الوحيدة في الخلاف بين وارسو وبروكسيل، فهنالك ملفات أخرى تفتح باباً للتصادم بين المؤسسة الأوروبية وبين الشعوب المحافظة لدول اوروبا الشرقية منها قضايا الإجهاض والمثلية الجنــسية .


هذه المرة الثانية التي تفرض محكمة العدل الأوروبية غرامات مالية على بولندا لانتهاكها المواثيق الأوروبية وهو ما تراه الحكومة البولندية ابتزاز والتعامل بمكيالين مع دول الإتحاد فلماذا لم يتم معاقبة كل من فرنسا وهولندا حينما رفضت كل منها مشروع الدستور الأوروبي الموحد عام 2005 على أساس احترام سيادة الدولة والقانون الوطني وهو الأساس الذي تعاقب عليه بولندا الآن !


الإتحاد الأوروبي من جهته لا يريد تكرار تجربة البريكسيت ومن حقه فرض معاييره وعلى دول الإتحاد احترامها والإنصياع لها والظاهر الآن أن بولندا تفاجأت بمعاهدة لشبونة التي اعترفت بها ووقعتها والتي بموجب ذلك الإعتراف تحصلت من الإتحاد منذ العام 2004 على مبلغ 206 مليار يورو عدا عن مبلغ 170 مليار يورو سيتم صرفها فور انتهاء أزمتها مع بروكسيل وأغلب تلك المعونات مقدمة من المانيا صاحبة الثقل الاقتصادي والسياسي الأكبر في اوروربا والتي يعمل فيها 770 ألف عامل بولندي من بين 1,7 مليون عامل بولندي يعملون بدول اوروبا الغربية .


بولندا إن اختلفت او لم تختلف مع المعايير الأوروبية لكنها اتفقت عليها وهي ايدلوجية المؤسسة الأوروبية للدخول إلى النادي الأوروبي والإستفادة من عضويته وحتى اللحظة الإتحاد لا يأخذ مزاعم واتهامات الحكومة البولندية محمل الجد لأنه يرى به خطاباً شعبوياً لتسجيل موقف سياسي قبيل الإنتخابات القادمة في عام 2023 فنسبة 90% من الشعب البولندي تؤيد عدم الخروج من الإتحاد وهي نسبة لم يحصل عليها الحزب الحاكم نفسه في الإنتخابات السابقة !


يذكر هنا أن وارسو لا تمتلك أية خيارات في أزمتها مع بروكسيل ولن تستطيع الخروج من الإتحاد الأوروبي حتى لو ارادت ذلك لأنه ليس لها أي ثقل سياسي أو اقتصادي ولا نيّة بالتقارب مع روسيا خاصة وان العلاقة مع الروس متوترة منذ العام 2010 بعد حادثة سقوط طائرة الرئيس البولندي وهي لا زالت تمتلك أكبر درع صاروخي موجه بالطبع على الأراضي الروسـية وإذا لم يكن هنالك نيّة للتقرب لروسيا فلماذا تبتعد عن اوروبا !


خلافاً للإنطباع السائد فإن امريكا تشاطر الإتحاد الأوروبي الرغبة بالحفاظ على دول الكتلة الشرقية وهي التي دفعت تلك الدول للإنضمام للإتحاد، امريكا ترى فيها جزءاً من منظومتها والتي توظفها في القرارات المضادة لأمريكا في البرلمان الأوروبي وهو ما فعله ترامب في ملف الضرائب وليس من مصلحة امريكا ولا الإتحاد الأوروبي اخراج الكتلة الشرقية من الجسد الأوروبي لأن البديل استفراداً روسياً بهذه المنطقة .


الإتحاد الأوروبي يمتلك التأثير السياسي والاقتصادي والقانوني لإجبار الحكومة البولندية على احترام المواثيق ولكن ليس من مصلحة الوحدة الأوروبية الدخول في صراع مع الكنيسة الكاثوليكية التي يحاول الحزب الحاكم البولندي مغازلة ودها لأن الشعب البولندي وشعوب دول الكتلة الشرقية شعوب محافظة وستقف خلف الكنيسة وخلف أحزابها في صد أي محاولة لتقويض خصوصياتها ومعتقداتها الدينية .


قد يكون من المبالغة الآن توقع خروج بولندا من الإتحاد الأوروبي ولكن لا يمكن النفي بوجود اشكاليات ثقافية بالإندماج الأوروبي وهي ليست قضية دول الكتلة الشرقية فقط فحتى المانيا تواجه مشاكل مع القوى الشعبوية .


أغلب الظن أننا سنرى تعديلات قادمة على معاهدة لشبونة لأنه من الواضح أن الكنيسة الكاثوليكية لا زالت تلعب دوراً سياسياً وعلى الإتحاد أن يدخلها في حساباته !